القرطبي
77
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
منها ومنها تأكلون ( 1 ) " . وقال في الخيل : " لتركبوها وزينة " فذكر أيضا أغلب منافعها والمقصود منها ، ولم يذكر حمل الأثقال عليها ، وقد تحمل كما هو مشاهد فلذلك لم يذكر الاكل . وقد بينه عليه السلام الذي جعل إليه بيان ما أنزل عليه ما يأتي ، ولا يلزم من كونها خلقت للركوب والزينة ألا تؤكل ، فهذه البقرة قد أنطقها خالقها الذي أنطق كل شئ فقالت : إنما خلقت للحرث . فيلزم من علل أن الخيل لا تؤكل لأنها خلقت للركوب وألا تؤكل البقر لأنها خلقت للحرث . وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها ، فكذلك الخيل بالسنة الثابتة فيها . روى مسلم من حديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل . وقال النسائي عن جابر : أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر . وفى رواية عن جابر قال : كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : الرواية عن جابر بأنهم أكلوها في خيبر حكاية حال وقضية في عين ، فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورة ، ولا يحتج بقضايا الأحوال . قلنا : الرواية عن جابر وإخباره بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيل ذلك الاحتمال ، ولئن سلمناه فمعنا حديث أسماء قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة فأكلناه ، رواه مسلم . وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص فإنما هو دعوى ، لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه . وقد روى الدارقطني زيادة حسنة ترفع كل تأويل في حديث أسماء ، قالت أسماء : كان لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها . فذبحها إنما كان لخوف الموت عليها لا لغير ذلك من الأحوال . وبالله التوفيق . فإن قيل : حيوان من ذوات الحوافر فلا يؤكل كالحمار ؟ قلنا : هذا قياس الشبه وقد اختلف أرباب الأصول في القول به ، ولئن سلمناه فهو منتقض بالخنزير ، فإنه ذو ظلف وقد باين ذوات الأظلاف ، وعلى أن القياس إذا كان في مقابلة النص فهو فاسد الوضع لا التفات إليه . قال الطبري : وفى إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للاكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب .
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 334 .